علي بن أحمد المهائمي
561
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وبيّن موضع التشبيه بقوله : ( ورأى سريان ) نور إشراق ( الحق ) بالوجود ( في الصور الطبيعية ) للملائكة العلوية ، ( والعنصرية ) للمولدات ، والملائكة السماوية ، ويكون بحيث ( ما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها ) ؛ لأنه وإن نزه عن الصور في ذاته ، فلا صور في ظهوراته ، ولكل صورة منها عين ثابتة هي أعيان الممكنات بعينها ، فصور الممكنات عين صورته تعالى . ثم قال : ( وهذه المعرفة ) ، وإن كان بعضها من الوهم والخيال ، وكان بعضها الذي من العقل كافيا في الإيمان هي المعرفة ( التامة ) ؛ لشمولها على وجوهها ، وليس زيادة المعرفة التشبيهية لمثابة الإصبع الزائدة في كف الإنسان بحيث تكون الزيادة عين النقصان ، بل هي المعرفة الكاملة ، كيف وهي ( التي جاءت بها الشرائع ) ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رأيت ربي في أحسن صورة ، وإنّ اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » ، وفي رواية : « على صورة الرحمن » « 2 » ، وقوله : « مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني » « 3 » وغير ذلك . والحاصل منها أرجح من الحاصل من العقول المجردة ، وإن كان أصلها المثبت لها ، إذ هي ( المنزلة من عند اللّه ) ، فلا يفاوتها ما لم ينزل من عند اللّه ، وإثبات الشرائع بالعقل لا يستلزم رجحانها ، فإنه كدلالة المحدثات على الصانع تعالى على أن الرجحان إنما يكون في وضع التناقض ، ولا تناقض على نبي ، ولا بأس بكونها من الأوهام ، فإنه من جملة القوى المدركة من الإنسان كالعقل والسمع والبصر ، والغلط فيه كالغلط فيها لأمور عارضة ، وإليه الإشارة بقوله : ( وحكمت ) أيضا بها ( الأوهام كلها ) ، فلو كان غلطا لم يحكم بها الكل حتى من أرباب العقول . ( ولذلك ) أي : ولوجود حكم الوهم في أرباب العقول دون حكم العقل في أرباب الأوهام ، ( كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة ) ، وإن كان لا سلطان لها في الملائكة ( من العقول ) إذا اجتمعت مع الأوهام ؛ ولذلك لا يقدر العاقل أن يمشي على خشب مرتفع من الأرض قدر مائة ذراع إذا كان عرضه أربعة أصابع ، إلا من ارتاض في اكتساب ذلك حتى وقع الوهم عن نفسه في هذا الأمر ؛ ( لأن العاقل ) من الإنسان إذا لم يدفع عنه حكم الوهم بالكلية ، وإن ( بلغ ما بلغ ) من مراتب الكمال في عقله ( لم يخل من حكم الوهم ) ، وإن صار في غاية الضعف ما لم [ يتصور ] بالرياضة التامة مساعد للعقل من كل وجه ، كيف ولا يخلو عن ( التصور فيما عقل ) ، والعقل إنما يتصور الشيء مجردا ، ولو كان في الخارج مأدبا ، وإذا غلب الوهم الضعيف العقل الكامل المتعقل للمجردات .
--> ( 1 ) رواه الدارمي في سننه ( 2 / 170 ) ( 2 ) رواه عبد اللّه بن أحمد في السنة ( 1 / 268 ) ( 3 ) رواه مسلم بنحوه ( 4 / 1990 )